الأحد، مايو 22، 2011

مستقبل الطاقة في مصر

الانفلات الأمني أثناء الثورة ألحق خسائر جسيمة بموقع محطة الضبعة النووية

اعتماد مصر على الطاقة النووية حتمي، وعرقلة ذلك جريمة في حق الأجيال القادمة

استضافت وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية مساء أمس السبت الدكتور يسري أبو شادي؛ كبير المفتشين بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورئيس قسم الضمانات السابق بالوكالة، في ندوة بعنوان "مستقبل الطاقة في مصر

وكشف أبو شادي عن تعرض موقع محطة الضبعة النووية إلى هجوم من أشخاص أثناء حالة الانفلات الأمني تسبب في تدمير أجهزة عالية التكلفة؛ ومنها جهاز محاكاة لتشغيل المفاعلات النووية كان يتدرب عليه طلاب الهندسة النووية. واستنكر التعتيم الإعلامي على الموضوع، إضافة إلى عدم التحقيق في القضية لتبيان دوافع ذلك الهجوم ومحاسبة المتسببين فيه

وأكد أن موقع الضبعة هو الأنسب في مصر، وذلك بعد إجراء دراسات تؤكد ذلك على مدار ثلاثين عاما، لافتا إلى أن المنطقة بها كثافة سكانية محدودة، كما أن أقرب تجمع سكاني حاليا يبعد عنها بحوالي خمسة كيلومترات، في حين أن بلجيكا على سبيل المثال لديها ثلاث مفاعلات نووية تبعد 2 كيلومتر ونصف عن أقرب مدينة بها 36 ألف نسمة

وحذّر من تكرار أزمة انقطاع الكهرباء هذا العام؛ إذ إن أحداث ثورة 25 يناير أدت إلى انسحاب الخبراء الأجانب المسئولين عن صيانة محطات الكهرباء دون استكمال عملهم، وذلك لمدة شهرين تقريبا، إضافة إلى توقف العمل في المحطات الجاري إنشائها، مشيرا إلى أنه منذ أكثر من نصف قرن ومصر تعتمد على الشركات الأجنبية في إنشاء محطات الكهرباء، إلى جانب تقليص الاهتمام بتدريب كوادر فنية مصرية قادرة على صيانتها

وشدد على أن اعتماد مصر على الطاقة النووية حتمي ولا يمكن تجاهله أو استبداله بطاقة بديلة، على الأقل على مدى الخمسين عاما القادمة، مضيفا أن استمرار العراقيل في البدء في إنشاء محطات نووية يعد جريمة في حق الأجيال القادمة، منوّها إلى أنه عقب ثورة 25 يناير توقف الإعلان عن مناقصة إنشاء أول محطة نووية

وأشار إلى أن مصادر الطاقة والكهرباء في مصر حاليا تتمثل في البترول والغاز الطبيعي بنسبة 89%، في الوقت الذي أوقفت فيه مصر تصدير البترول، وزادت من حجم استيرادها للسولار والبوتاجاز والبنزين والمازوت. كما زادت مشكلة توافر السولار لارتفاع سعر استيراده لأكثر من ثلاث مرات السعر المصري المدعم، مما سيؤثر ليس فقط على حركة السيارات، بل أيضا على إنتاج الكهرباء خاصة للمصانع الكبيرة

وأوضح أن متوسط استهلاك الفرد في مصر من الكهرباء عام 2010 بلغ 2100 كيلووات في الساعة؛ أي 60% من المتوسط العالمي، كما أن معدل الزيادة السنوي في الطلب على الكهرباء يصل لأكثر من 7%؛ أي ما يوازي 1800 ميجاوات، وهو رقم يقترب من كهرباء السد العالي أو مفاعل نووي حديث التصميم

ونبّه إلى أنه في حال استمرت معدلات الزيادة في استهلاك الكهرباء ومنتجات البترول والغاز الطبيعي بنسبه تزيد عن 7% سنويا، وإذا تم تمويل جميع المشروعات الجديدة المستهلكة للكهرباء، فإن احتياطي مصر المؤكد حاليا من البترول والغاز الطبيعي لن يكفي أكثر من 20 عاما

وقلّل الدكتور يسري أبو شادي من تأثير طاقة المياه والرياح والطاقة الشمسية خلال السنوات القادمة، ملمحا إلى أن بناء السدود في إثيوبيا ودول حوض النيل سيؤثر في كمية الطاقة المنتجة من السد العالي وسد أسوان، والتي تسهم بحوالي 10% من مصادر الطاقة والكهرباء في مصر

وفيما يتعلق بالطاقة الشمسية، قال إنه يعيبها التكاليف الباهظة في الإنشاء والتشغيل والصيانة واحتياجها لمساحات شاسعة وعدم قدرتها على إنتاج الكهرباء في حاله اختفاء الشمس، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن إنتاج المواد والسبائك اللازمة؛ مثل المرايا العاكسة وأحماض الغسيل وزيت التسخين وغيرها، وكذا تأثيرها الكبير على عناصر الحياة المتواجدة أسفل المساحة الشاسعة التي تغطيها

وضرب مثلا بأكبر محطة طاقة شمسية في العالم في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي تغطي مساحة 7 كيلومتر مربع، وتنتج 350 ميجاوات، كما أن هناك حوالي 40 محطة على مستوى العالم مجموع إنتاجها ألف ميجاوات فقط، ذاكرا أن أهمية الطاقة الشمسية قد تكمن في الاستخدامات الشخصية المحدودة مثل الحصول على مياه ساخنة

أما عن طاقة الرياح، فأكد أهميتها على الجانب المحلي المحدود، مبينا أن مصر تتميز برياح جيدة وبسرعات مختلفة؛ خاصة في منطقة البحر الأحمر والعين السخنة. وأشار إلى منطقة الزعفران التي تتواجد بها محطة طاقة كهربائية بالرياح على امتداد حوالي 20 كم مربع، تنتج ما يعادل 400 ميجاوات، ولكن يعيبها تواجد رياح ترابية قوية ومتغيرة تؤثر على طواحين الهواء ودورانها مما يؤثر على استمرارية إنتاج الكهرباء

في حين عدّد مزايا الطاقة النووية؛ ومنها: السعر المحدود، توافر وقود اليورانيوم، كونها طاقة نظيفة، توفير البترول والغاز لأغراض أخرى، إضافة إلى أن واحد كيلوجرام من اليورانيوم الطبيعي يمكن أن يولد طاقة تعادل حوالي 20 ألف مرة الطاقة المولدة من نفس الوزن من البترول أو الفحم. ويبلغ عدد المفاعلات النووية في العالم حاليا 440 مفاعل موزعين على 30 دولة

ولفت الانتباه إلى أن معدل الأمان في الطاقة النووية عالي جدا مقارنة بالمصادر الأخرى؛ إذ إن الحادثة النووية الوحيدة في العالم التي نتج عنها وفيات مباشرة كانت حادثة تشرنوبيل، والتي توفي فيها 31 شخص فقط، ومنوّها إلى أن ما حدث في محطة فوكوشيما النووية في اليابان، على إثر أكبر زلزال وتسونامي ضرب البلاد في تاريخها، ليس حادث نووي كما تشيع بعض وسائل الإعلام؛ إذ إن ما وقع هو تفجير كيماوي أثر على غلاف المبني الخارجي وليس على المفاعل نفسه، ولم تحدث تسريبات إشعاعية خطيرة، كما لم تغلق اليابان أي من مفاعلاتها في أرجاء البلاد سوى أربع تضرروا من الكارثة الطبيعية التي حلت بها

وأضاف أن مفاعلات محطة فوكوشيما هي من الجيل الثاني، بينما ستستخدم مصر مفاعلات من الجيل الثالث الذي يتميز بمعايير أمان فائقة. ونفى التقارير التي تحدثت عن إيقاف بعض الدول برامجها ومفاعلاتها النووية بسبب الحادثة، موضحا أن بعض الدول التي تملك مفاعلات قديمة من نفس نوع مفاعلات فوكوشيما بدأت في مراجعة معايير الأمان فيها. كما أن قرار ألمانيا إيقاف كل مفاعلاتها النووية عقب الحادث كان قد أتخذ منذ سنوات ولأسباب سياسية، وربما تراجعه مثلما حدث في إيطاليا والسويد من قبل

وبسؤاله عن وجود كوادر وخبرات نووية في مصر، أكد أن مصر من أوائل الدول العربية وفي العالم النامي التي دخلت المجال النووي، وأنشأت مؤسسات ومراكز أبحاث وقسم للهندسة النووية بجامعة الإسكندرية ومفاعل ذري في أنشاص في الخمسينات، إضافة إلى إرسالها بعثات متعددة للخارج. وأوضح أن المشروع النووي المصري هو بمثابة تحدي يحتاج إلى قيادة سياسية وفنية واعية تؤمن بمستقبل مصر ولديها رؤية حول مستقبل الطاقة بها