السبت، ديسمبر 15، 2007

الإسكندرية .. الأب الروحي للسينما المصرية

مائة عام مرت على ميلاد الفن السابع لأول مرة في مصر والعالم العربي، وتحديدا في تلك المدينة الساحلية التي نهل العالم على مدار عدة قرون من علومها وفنونها، والتي ألهمت مكتبتها علماء ومثقفي العالم القديم قبل إندثارها، والحديث بعد إعادة إحيائها. إنها الإسكندرية، عاصمة أرض الكنانة الثقافية، التي كانت محط رحال الأخوين لوميير صاحبي اختراع السينما عام 1896، حيث قاما بعرض بعض أفلامهم السينمائية الأولى، كما أرسلا بعثة في العام التالي برئاسة مسيو بروميو لتصوير بعض الشرائط السينمائية بالثغر والعاصمة.

ومثلت الإسكندرية الشرارة التي انطلقت منها شعلة الفن السابع في مصر والمنطقة، فإلى جانب تصوير أول فيلم مصري على أرضها عام 1897 عن زيارة جناب الباب العالي الخديوي عباس حلمي الثاني للمعهد العلمي بمسجد أبي العباس على يد المصورين السكندريين ذوي الأصول السورية والإيطالية عزيز بندرلي وأمبرتو دوريس، فقد أنشئت بها أول صالة عرض سينمائي باسم "سينماتوجراف لوميير" عام 1897، وتأسست بالمدينة أول شركة إنتاج سينمائي عام 1917 على يد عزيز وكورنيل، وصدرت منها أول مجلة سينمائية متخصصة وأول مؤسسة مختصة بصناعة السينما، وظهر منها العديد من السينمائيين والممثلين السكندريين الذين أثروا الساحة السينمائية المصرية والعربية.

وبالتأكيد يجب ألا نغفل دور الأجانب في تأسيس الفن السابع بالإسكندرية ومصر بصفة عامة، حيث إن أول من طرقوا هذا المجال لم يكونوا من أصول مصرية، مثل الفيزي أورفانيللي وأمبرتو دوريس وتوجو مزراحي ودافيد كورنيل وجوليو دي لوكا وبرونو سالفي وبريمافيرا، وغيرهم ممن بدؤوا المسيرة التي أكملها من بعدهم المصريين أمثال عبد الحليم نصر ومحمود خليل راشد ومحمد بيومي؛ رائد السينما المصرية الذي عاش حياته ومارس جل عمله بالثغر.

ومحمد بيومي هو أول من قدّم فيلما مصريا خالصا باسم "برسوم يبحث عن وظيفة" عام 1923، ولعب دورا هاما مع طلعت حرب في إنشاء شركة مصر للتمثيل والسينما، كما أسس أول ستوديو وأول معهد سينمائي، وهو المعهد المصري للسينما بالإسكندرية عام 1932، والذي كان يهدف لتعليم فن التصوير الفوتوغرافي والسينمائي وإعداد العاملين في هذا المجال، والذي دعمه ماديا أغنياء المدينة ومنهم الأمير عمر طوسون، إلى جانب عدد كبير من الإنجازات الهامة الأخرى.

ومن السينماتوجرفرز الذين تجدر الإشارة إليهم أيضا محمد كريم المخرج السينمائي المعروف الذي بدأ حياته ممثلا في فيلمي "شرف البدوي" و "الأزهار المميتة"، إلا أن حماسه جعله يذهب إلى أوروبا وتحديدا إيطاليا حيث قام بأداء بعض الأدوار السينمائية، إلى أن عاد لمصر مرة أخرى ولكن هذه المرة ليعمل بالإخراج. أخرج محمد كريم عدة أفلام سينمائية هامة منها "زينب"، كما أنه أخرج كل أفلام محمد عبد الوهاب السبعة، وهو أول من قدّم الفنانة فاتن حمامة لجمهور الشاشة الفضية، وأول من أخرج فيلما غير صامت، وهو "أولاد الذوات".

وتطول قائمة السينمائيين السكندريين الذين أثروا الساحة السينمائية المصرية والعالمية خلال المائة عام الماضية، حيث تضم كذلك محمود خليل راشد وتوجو مزراحي وإبراهيم لاما وعمر جميعي وعبد الحليم نصر وتوفيق صالح ويوسف شاهين وشادي عبد السلام وأسماء البكري وإكرام حجار وعاطف شكري ورايموند وروبرت حكيم وريكاردو فريدا وإبراهيم موسى وشيرين الخادم وأوفيديو أسونيتس ودودي الفايد.

ومن السينمائيين إلى الممثلين السكندريين الذين ساهموا بالأدوار التي أدوها في تشكيل الوعي والفكر المصري والعربي. وهنا فإن المسرح لعب دورا هاما في تمهيد الطريق لازدهار السينما في مصر، إذ أمدها بالفنانين الذين أصبحوا فيما بعد نجوما سينمائيين، ومنهم جورج أبيض وفوزي الجزايرلي وحسن فايق وزينات صدقي واستيافني روستي وفاطمة رشدي.

والشيء الذي تجدر الإشارة إليه، هو تعدد أصول الممثلين السكندريين ودياناتهم، والتي يمكن إرجاعها إلى طبيعة المدينة الكوزموبوليتانية. ومن هؤلاء الممثلين، استيفاني روستي وميشيل شلهوب -المعروف بعمر الشريف- وبدر لاما والممثل الكوميدي اليهودي شالوم، مما يؤشر للتسامح والتعددية التي كانت موجودة آنذاك بالثغر.

وتعتبر منيرة المهدية التي ولدت بالإسكندرية أول ممثلة مصرية مسلمة تدخل الحقل السينمائي، مما شجع أخريات كثر للعمل في هذا المجال مثل بهيجة حافظ وفاطمة رشدي وعزيزة أمير. ويعد الممثلون السكندريون بحق رواد السينما المصرية وعمادها، فلم يسع هؤلاء لشهرة أو مجد شخصي أو مال، وإنما علموا للفن من أجل الفن. ولا عجب أن كثيرا منهم واجهوا صعوبات كثيرة، فزينات صدقي اضطرت للهرب من المنزل وغيّرت اسم عائلتها، كما تنكرت عائلة بهيجة حافظ الأرستقراطية من أبنتهم، حيث إن العمل بالفن آنذاك كان بمثابة وصمة عار خاصة للجنس الناعم.

وبما أننا نتحدث عن السينما، فإنه لا يجب إغفال ذكر الرقابة على الأفلام والتي بدأت في وقت مبكر جدا. ففي عام 1904 تمت إضافة بند على قانون الرقابة على المطبوعات متعلق بالسينما، وتزايد اهتمام الصحف بذلك الموضوع، خاصة في عام 1911، حيث نشرت جريدة "لا فورم" خبرا عن قرار محافظ القاهرة القاضي بوقف الأفلام ذات الصبغة الواقعية الشديدة والتي يمكن أن تحث الجمهور على تقليد ما يرونه. وفي عام 1921، صدر قرار وزاري ينظم عملية الرقابة على الأفلام الأجنبية الواردة من الخارج. بينما بدأت الرقابة على الأفلام المصرية عام 1928 بعد عرض فيلم "قبلة في الصحراء" و "سعاد الغجرية"، وبعد ذلك بعام، تم منع أول فيلم مصري من العرض على الجمهور وهو "مأساة الحياة" لاحتوائه على مشاهد كثيرة غير لائقة.

ظلت عروس البحر الأبيض المتوسط عاصمة للفن السابع ومركز ثقل لهذا النشاط في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، حيث شهدت نشاطا سينمائيا كبيرا سبقت به الآخرين، إلى أن انتقلت صناعة السينما بالكامل إلى القاهرة في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي لعدة عوامل، منها الحرب العالمية الثانية وما استتبعها من هرب الأجانب خارج البلاد أو توجههم للعاصمة، إلى جانب الإمكانيات الهائلة التي كانت متوافرة بالقاهرة آنذاك وكثرة عدد سكانها مقارنة بالإسكندرية وإنشاء ستوديو مصر، وأسباب أخرى عديدة.

إن ما تحتاجه مدينة الإسكندرية اليوم هو إعادة إحياء صناعة السينما بها كي تستعيد بريقها الفني والثقافي الذي طالما تميزت به على مدار تاريخها.

أيمن الشربيني