الخميس، نوفمبر 29، 2007

المجتمع المدني والطريق الطويل لتنمية القارة السمراء

أفريقيا، تلك القارة التي شكلت على مدار قرون عديدة، ومازالت، مطمعا للدول الاستعمارية على كافة ألوانها ومشاربها نظرا لمواردها الطبيعية التي تملأ أرجائها، والتي ترشح دولها لأن تصبح الأغنى والأكثر تقدما على الإطلاق، في حال استغلال تلك الموارد بشكل جيد. إلا أن الواقع المعاش يشير إلى غير تلك الآمال المعلقة، إذ مازال المرض والفقر والجهل يملأ أنحاء شاسعة من دول القارة، كما أن الكثير من الأنظمة الحاكمة في أفريقيا مازالت تعيش في عصور الديكتاتورية البائدة


إلا أن المستقبل ليس سوداويا كما يتخيل البعض، فقد حققت بعض الدول الأفريقية تقدما على صعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتحسنا اقتصاديا ملموسا، وليس أدل على ذلك التقارير الدولية العديدة في هذا الإطار، ومنها تلك التي يصدرها البنك الدولي. ومع ذلك، تحتاج جهود تنمية القارة السمراء لدعم كافة الأطراف الحكومية وغير الحكومية، وللمجتمع المدني دور هام بهذا الشأن


لذا فإن مبادرة رجل الأعمال السوداني الدكتور محمد فتحي إبراهيم والمعروف في الغرب باسم "مو إبراهيم"، التي كان قد أعلن عنها في أكتوبر من العام الماضي، بتخصيص جائزة للحكم الرشيد في الدول الأفريقية الـ48 جنوب الصحراء الكبرى، تقدر قيمتها بخمسة ملايين دولار أمريكي ويتم منحها لقادة تلك الدول الذين تنحوا عن الحكم بعد أن أثبتوا كفاءة وتميزا في إدارة شئون بلادهم، لتستحق منا كل دعم وتقدير. إننا نرى لأول مرة نشاطا للمجتمع المدني الأفريقي في سبيل تشجيع عملية تطوير دول القارة، التي نهبت ثرواتها واستعبد أهلها لقرون عديدة، والمساهمة في تحقيق الديمقراطية والتنمية المستدامة بها، من خلال حث الحكام والمسئولين على تبني أساليب الحكم الرشيد في قيادة بلادهم نحو مستقبل أفضل


وقد وضعت مؤسسة مو إبراهيم، التي يتم منح الجائزة من خلالها، دليلا للحكم الرشيد في الدول الأفريقية جنوب الصحراء، أعده البروفيسور روبرت روتبيرج، الأستاذ بكلية كيندي للحكم بجامعة هارفارد، بمعاونة فريق مختص من الباحثين، ويتم على أساسه تقييم أداء الدول والحكام لاختيار الفائز منهم بالجائزة


تشمل خصائص دليل إبراهيم عدة نقاط أساسية منها: الشمول، حيث إن العدد الكبير من المقاييس المندرجة في دليل إبراهيم تجعله واحدا من أشمل تقييمات الحكم في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى التي تم ابتكارها إلى الآن. ثانيا التركيز على السلع السياسية، إذ يعرف دليل إبراهيم الحكم بشكل استثنائي بأنه توفير السلع السياسية الرئيسية، مسجلا نتائج مُعرفة وقابلة للقياس بدلا من التقييمات غير الموضوعية. ثالثا التغطية الجغرافية، فقد درس دليل مو إبراهيم جميع البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى لمدة ثلاث سنوات (وسنويا فيما بعد)، مما يجعله الدليل الأكثر شمولا والأحدث الذي تم إعداده حتى الآن. وأخيرا الترتيب، إذ يعتبر الدليل أول محاولة من نوعها ترتب بوضوح وصراحة البلدان الأفريقية جنوب الصحراء حسب نوعية الحكم فيها


و يقيس دليل إبراهيم لشئون الحكم في أفريقيا توفر السلع السياسية الرئيسية، والتي تجمع تحت خمس فئات هامة توفر معا تعريفا للحكم السليم، وهي: السلامة والأمن، وسيادة القانون والشفافية والفساد، وحقوق الإنسان، والتنمية الاقتصادية المستدامة، والتنمية البشرية. ويتم تطبيق إجمالي 58 مقياسا مستقلا على كل دولة لخلق خمس درجات لكل فئة، بحيث ينتج عن متوسط مجموع درجات هذه الفئات، درجة كلية للدولة


وفي هذا الإطار، قررت لجنة التحكيم لجائزة مو إبراهيم للحكم الرشيد في الدول الأفريقية جنوب الصحراء، اختيار السيد جواكيم شيسانو الرئيس السابق لموزمبيق، كأول فائز يحصل على الجائزة، نظرا للدور الرائد الذي قام به في سبيل نقل بلاده من النزاعات إلى الديمقراطية والاستقرار السياسي والاقتصادي. فقد حقق شيسانو خلال فترة حكمه نموا اقتصاديا كبيرا، كما مارس جهودا حثيثة في مجال الحد من الفقر وتدعيم البنية التحتية ومحاربة مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز


وللتعريف به، فإن جواكيم شيسانو هو من مواليد أكتوبر عام 1939، حيث نشأ في قرية صغيرة نائية اسمها ماليهس تابعة لمركز شابتو، في قطاع يحمل اسما فلسطينيا "غزة"، وكانت بلاده وقتها مجرد مستعمرة تسمى "شرق أفريقيا البرتغالية". كان شيسانو أول طالب أسود في تاريخ موزمبيق يلتحق بالمدرسة الثانوية، وبعد أن تخرج منها سافر إلى البرتغال ليدرس الطب في جامعة لشبونة، إلا أن نشاطه السياسي ومطالبته باستقلال بلاده، سببت له الكثير من القلاقل ومنها أصدار السلطات البرتغالية قرارا بالقبض عليه، لكنه فر إلى فرنسا ومنها عاد إلى أفريقيا سرا، حيث انضم إلى جبهة التحرير الموزمبيقية "فريليمو"، للناضل ضد الاحتلال البرتغالي لبلاده إلى أن استقلت عام 1975


عقب الاستقلال، تشكلت حكومة من الثوار رأسها سامورا مايشل، وتولى فيها شيسانو منصب وزير الخارجية، حيث ساهم في تعزيز العلاقات مع الدول الغربية، لكن لم يرض البعض عن الحكومة، الأمر الذي أدى إلى تمردهم وحملهم السلاح ضد الحكومة الوطنية. وقد ترتب على موت الرئيس سامورا في حادث طائرة عام 1986، حدوث تدهور للأوضاع في موزمبيق، إذ اشتد الصراع على السلطة ليتحول فيما بعد إلى حرب أهلية. وفي تلك الظروف السيئة تولى جواكيم شيسانو الرئاسة، حيث نجح في وقف الصراع الدائر وعمل على تحقيق التقدم الاقتصادي وجلب الديمقراطية ذات الأحزاب المتعددة إلى بلاده، حيث فاز بأول انتخابات حرة عام 1994، ثم فاز بها للمرة الثانية في عام 1998 ضد قائد المتمردين السابق الفونسو دالكاما. وفي 2005، قرر شيسانو عدم ترشيح نفسه لولاية ثالثة، رغم أن الدستور يجيز له ذلك، مكتفيا بما قام به، وتاركا الفرصة لدماء جديدة تحكم البلاد


إن اختيار مؤسسة مو إبراهيم لمكتبة الإسكندرية كي تستضيف حفل تكريم أول فائز بالجائزة، إنما يجيء في إطار التأكيد على عمق وتجذر العلاقات التي تجمع بين العالم العربي وأفريقيا. وقد جاءت مبادرة رجل الأعمال السوداني محمد فتحي إبراهيم في وقت حيوي وهام للغاية في تاريخ دول القارة السمراء، التي استقلت جميعها عن الاستعمار الأجنبي منذ فترة طويلة نسبيا. وما حققه رئيس موزمبيق السابق يمكن للعديد من قادة الدول الأفريقية الأخرى تحقيقه أيضا، من خلال بعض الدعم والتشجيع، وهو الدور الذي يمكن لجائزة مو إبراهيم أن تلعبه


أيمن الشربيني